الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
267
مختصر الامثل
عنها : « كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا » . كَبُرت مريم تحت رعاية زكريا ، وكانت غارقة في العبادة والتعبد . بحيث إنّها - كما يقول ابن عباس - عندما بلغت التاسعة من عمرها كانت تصوم النهار وتقوم الليل بالعبادة ، وكانت على درجة كبيرة من التقوى ومعرفة اللَّه حتى أنّها فاقت الأحبار والعلماء في زمانها ، وعندما كان زكريا يزورها في المحراب يجد عندها طعاماً خاصاً ، فيأخذه العجب من ذلك ، سألها يوماً : « يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا » . فقالت : « هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ » . الآية لا تذكر شيئاً عن ماهية هذا الطعام ومن أين جاء ، لكن بعض الأحاديث تفيد أنّه كان فاكهة من الجنة في غير فصلها تحضر بأمر اللَّه إلى المحراب ، وليس ما يدعو إلى العجب في أن يستضيف اللَّه عبداً تقيّاً . هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ( 38 ) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ( 40 ) قلنا إنّ زوجة زكريا وأم مريم كانتا أختين ، وكانتا عاقرين ، وعندما رزقت أم مريم بلطف من اللَّه هذه الذرّية الصالحة ، ورأى زكريا خصائصها العجيبة ، تمنّى أن يرزق هو أيضاً ذرّية صالحة وطاهرة وتقيّة مثل مريم ، بحيث تكون آية على عظمة اللَّه وتوحيده ، وعلى الرغم من كبر سن زكريا وزوجته ، وبُعدهما من الناحية الطبيعية عن أن يرزقا طفلًا ، فإنّ حبّ اللَّه ومشاهدة الفواكه الطرية في غير وقتها في محراب عبادة مريم ، أترعا قلبه أملًا بإمكان حصوله في فصل شيخوخته على ثمرة الابوّة ، لذلك راح يتضرع إلى اللَّه : « هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ » . لم يمض وقت طويل حتى أجاب اللَّه دعاء زكريا : « فَنَادَتْهُ الْمَلِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى » .